سيد محمد طنطاوي
90
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أنثى ، وأنشأها حسنة بعيدة عن كل نقص خلقي أو خلقي ، وهيأ لها وسائل العيش الطيب من حيث لا تحتسب . فقد قال - تعالى - * ( وكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ، قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ، إِنَّ اللَّه يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) * . قوله * ( وكَفَّلَها زَكَرِيَّا ) * أي ضمها إلى زكريا ، لأن الكفالة في أصل معناها الضم . أي ضمها اللَّه - تعالى - إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها . وقرئ * ( وكَفَّلَها ) * بتخفيف الفاء . وبرفع * ( زَكَرِيَّا ) * على أنه فاعل . وعلى هذه القراءة تنطق كلمة زكريا بالمد قبل الهمزة فقط أي « زكرياء » . أما على القراءة الأولى فيجوز في زكريا المد والقصر . وزكريا هو أحد أنبياء بني إسرائيل وينتهى نسبة إلى سليمان بن داود - عليهما السلام - وكان متزوجا بخالة مريم ، وقيل كان متزوجا بأختها . وكانت كفالته لها نتيجة اقتراع بينه وبين من رغبوا في كفالتها من سدنة بيت المقدس ، يدل على ذلك قوله - تعالى - ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيه إِلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ . قال صاحب الكشاف : « روى أن » حنة « حين ولدت مريم ، لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ، ووضعتها عند الأحبار وهم في بيت المقدس ، فقالت لهم : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم » . فقال لهم زكريا : أنا أحق بها عندي خالتها فقالوا : لا ، حتى نقترع عليها ، فانطلقوا إلى نهر وألقوا فيه أقلامهم فارتفع قلم زكريا فوق الماء ورسبت أقلامهم فتكفلها » « 1 » . وقوله : * ( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً ) * بيان لكفالة اللَّه - تعالى - لرزقها ورضاه عنها ، ورعايته لها . والمحراب الموضع العالي الشريف والمراد به الغرفة التي كانت تتخذها مريم مكانا لعبادتها في المسجد . سمى بذلك لأنه مكان محاربة الشيطان والهوى . قال الآلوسي ما ملخصه : « والمحراب - على ما روى عن ابن عباس - غرفة بنيت لها في بيت المقدس ، وكانت لا يصعد إليها إلا بسلم . وقيل المراد به المسجد إذ قد كانت مساجدهم تسمى المحاريب . وقيل المراد به أشرف مواضع المسجد ومقدمها وهو مقام الإمام من المسجد أصله
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 357 بتلخيص يسير .